محمد بن أبي بكر الرازي
307
حدائق الحقائق
ومنها : الغيبة والحضور : فالغيبة : غيبة القلب عن علم ما يجرى من أحوال الخلق بما يرد عليه من الحق ، ثم قد يغيب عن غيره فقط ، وقد يغيب عن غيره وعن نفسه ، أيضا ، إذا عظم الوارد ، ثم قد تطول الغيبة وقد تقصر ، وقد تدوم . واعلم أن العبد له أفعال وأقوال « 1 » وأحوال . فالأفعال : تصرفاته الاختيارية . والأقوال « 2 » : طباعه « 3 » الفطرية ، لكنها تتغير بتبديل العادة على مرور الأيام . والأحوال : ترد على العبد ابتداء ، وصفاؤها بحسب صلاح أعماله ، ومتى فنى العبد عن الأفعال والأخلاق والأحوال بزوال إحساسه عن كل ذلك فقد استولى عليه سلطان الحقيقة ، فهو حاضر بالحق غائب عن نفسه وعن الخلق . [ ومما « 4 » يشهد بصحة وجود الغيبة أنّا نرى الرجل يدخل على عالم أو سلطان أو رجل جليل القدر فيذهل عن نفسه ، وعن أهل مجلسه ، وربما ذهل عن هذا الرئيس أيضا ، حتى إذا سئل بعد خروجه من كان عنده في المجلس وما كان لباسه لم يحفظ ذلك لفرط دهشته وذهوله من الهيبة والإجلال . وأدل من ذلك وأوضح قضية النسوة اللائي قّطعن أيديهن حين شاهدن يوسف ، عليه السلام ، فإذا كان مشاهدة جمال « يوسف » والاشتغال غيبتهن عن الإحساس بألم القطع لفرط الدهش والذهول بجمال مخلوق مثلهن ، مع أنهن أضعف من الرجال خلقا ، وأقل جلدا وصبرا ، فكيف يكون غيبة من شاهد أنوار ذي الجلال والإكرام ، وخالق السماوات والأرض ، فلا غرو أن يصير مستهلكا بكليته في وجود الحق بغيبته عن كل شئ سواه . ومن المشهور عن « أبى حفص النيسابوري الحداد » « 5 » في ابتداء حاله أنه سمع قارئا
--> ( 1 ) في ( ج ) : ( وأخلاق ) . ( 2 ) في ( د ) : ( الأفعال ) وفي ( ج ) : ( الأخلاق ) . ( 3 ) في ( ج ) : ( طباعية ) . ( 4 ) من هنا سقط من ( ج ) . ( 5 ) ( أبو حفص النيسابوري ) هو : أبو حفص عمر بن مسلمة الحداد ( وتقدمت ترجمته ) كان من قرية يقال لها : كورداباذ على باب مدينة نيسابور ، أحد الأئمة والسادة الصوفية مات سنة 264 ه . انظر نفحات الأنس للجامى ص 178 ، والرسالة القشيرية ص 18 .